El Koom El Taweel

الكوم الطويل
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

اهلا ومرحبا بكم فى منتدى الكوم الطويل **** خالص تحياتى **** خالد بدر



شاطر | 
 

 قصة قصيرة بعنوان (كبش ابراهيم )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم مرعى

avatar

عدد المساهمات : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/02/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: قصة قصيرة بعنوان (كبش ابراهيم )   الإثنين مارس 01, 2010 9:55 am

كبرت فيحاء وكبرت معها أحلامها وأصبح عمرها في منتصف السابع عشرة وهي الآن في الصف الخامس أدبي، أملت كثيراً في الدخول الى كلية القانون لتحمل قضيتها قضية المرأة في إنصاف المظلومات من أقرانها، ومثلها صديقاتها حيث عمدن الى أبعد من ذلك في أحلامهن نحو السفر الى بغداد ولعل الزواج أن جاء من أحد زملائهن فهو أمل تحقيقه فوق الأحلام، وهكذا كانت فيحاء تجٌد في عملها ألبيتي وتنجز كل استحقاقاتها، لتذهب بعد ذلك الى غرفتها البسيطة مع أختيها الصغيرتان والى حيث ذلك الركن الصغير الذي يحوي كتبها ودفاترها وكل أحلامها ثم تستلقي على فراشها مسافرة الى حيث الوقوف بين دفتي القضاء والمحاكم تترافع عن هذه وتوكل عن تلك، كانت متميزة بروبها الأنيق وفصاحة مرافعاتها حتى استطاعت أن تفرض هيبتها على أكثر القضاة وأصبحت معروفة لديهم، كان ذلك الحوار الداخلي يدور بينها وبين نفسها.
بدأ الحصاد وأصبحت الأرض متورمة بتلك الكتل الصفراء المترنحة على عيدانها الصفراء الرفيعة والمتناثرة هنا وهناك كأنها بساطٌ أصفر، بل وأصبحت الناحية ملاذاً آمن للكثير من القوارض والطيور حيث تتناثر الحبوب في كل مكان وجيوب من يمتلكون مساحات أوسع ممتلئ بالمال.
وفجأةً بدأت الحرب وسحب الشباب الى تلك الطاحونة الكبيرة التي تجتث كل صغيرة وكبيرة من الحيوات الموجودة على الأرض، وبدأت عجلة الحياة تدور بسرعة وأصبح إيقاعها مضطرب واختلفت المقاييس وبدأت الأحلام بالانتحار واصطفت صناديق الموتى لتنتظر من يستلمها، في الوقت نفسه بدأت علائم نهايات الحياة تلوح بالأفق فكثير من الآباء ومثلهم الشباب، أسرعوا بمشروع زواجهم لعل وعسى يحظى بأياما من السعادة ولربما ينجب في تلك الأيام القلائل التي يأتي بها من جبهات القتال الى البيت بعض البنين كي يحمل أسمه ولا ينقرض من هذه الحياة دون عقب، مثلما أصبحت البرامج التلفزيونية ومثلها الإذاعة والجرائد والمجلات تطبل لتلك الحرب اللعينة، لقد اصطبغت الشوارع والجدران بشعارات تمجد الحرب والموت وتُدني كل القيم الحياة الأخرى.
لم تكن فيحاء بعيدة عن هذه الأحداث بل كانت تخافها من خلال حثيثها اللاهث اتجاه كل المناطق والبيوت، ولكن لم يدر في خلدها أن أبن عمها محمد يجلس الآن في غرفة الضيافة مع أعمامي ليطلب يدي، وهذا والدي الآن يخبر أمي بما دار من حديث داخل غرفة الضيافة لتطلعني عليه، لم أوافقها الرأي فأنا لم ولن أفكر بالزواج مطلقاً، كانت أحلامي هي الهدف الحقيقي التي تطعمني من خلاله الأمل وتشدني نحو الأمام، ولكن رفضي لم يجد أي نفع فقد أتت أمي لتخبرني بما اتفقوا عليه وليس لأخذ رأيي.
فكرت بالهروب ولكن الى أين أذهب ولمن ألتجئ فنحن في ناحية تسودها الأعراف العشائرية والاجتماعية وهي أقوى من كل شيء آخر، أذن سوف أقتل نفسي... ليمكن أن أستسلم لهذا القدر السخيف الذي يجعلني فدية حرب ولكن الجرأة خانتني، فراجعت أمي بالقول أني لا زلت صغيرة ولا أفكر بالزواج فضحكت أمي كثيراً فهي مثل كل النساء تعرف أن المرأة يمكنها الزواج عندما تحيض وفي أقصى الحدود عندما تبلغ فوق الخامسة عشرة بقليل وأبنتها قد بلغت منتصف السابعة عشرة، فلم تجدِ دموعي وتوسلاتي جدوى مع أمي فكانت تطمئنني في أن الزواج صعب في أول ليلة فقط ثم أعتاد عليه في الأيام المقبلة... كان محمد يكبرني أكثر من خمس عشرة سنة وهو لم يرني سوى مرة واحدة أو أثنين، كما أن زوجته رحمها الله لم تكن على وفاق معه بل كانت في مشاكل مستمرة وقد أنجبت منه ولداً وبنتاً وشاء الله أن يصيب جسدها مرض خبيث ويأكلها من الداخل قبل أن تأكلها الحياة من الخارج.
كان اليوم الذي تقدم فيه محمد لطلب يدي هو الجمعة وهو أبغض الأيام عندي بعد الآن وقد أتفق مع والدي على كل التفاصيل وبأنه سوف يلتحق يوم الخميس المقبل ويكون والده قد أتم كل التفاصيل التي تخص العرس ويأتي هو الجمعة المقبلة الأخرى أي بعد مرور أكثر من خمس عشرة يوما بإجازة العرس وهي عشرة أيام ليتمم الزواج.
لم يسألها والدها عن رأيها بما دار ومثله أمها فمصير الفتاة هي الزواج والجلوس في بيت زوجها لتنجب الأطفال وتقيم الأسرة، لقد استسلمت فيحاء لهذا الزواج وبقى عندها أمل واحد يجعلها تعيش من أجله وهو استمرارها بالدراسة بعد الزواج وتقدمت بهذا الطلب لأمها مع بعض التوسلات والدموع ولكن أمها كانت تعرف مسبقا أن مثل هذه الأمور كانت غير مجدية لا مع الأب ولا مع الزوج، بل هي نفسها لم تكن مقتنعة بما طلبته منها أبنتها ولكن لا ضير من محاولة قد يحالفها الحظ فحملته الى الأب طالبة الموافقة عليه، ولكن الأب دون أن يجعلها تكمل كلامها رفض ذلك الطلب جملةً وتفصيلا.
زفت فيحاء الى بيت عمها ونحرت الخرفان لإطعام المحتفين بذلك العرس الوحشي من وجهة نظرها وامتلأت خلفية البيت بتلك الدماء مثلما ساحة دمها في تلك الغرفة المظلمة وخرج محمد بعد ذلك بقليل ليتقبل التهاني والتبريكات بمناسبة عرسه وهو بذلك الثوب الأبيض، ولبثت أنا ألملم جراحي بعد ذلك الاغتصاب الشرعي في الغرفة الظلماء والذي تم بعلم الجميع ، لم أنسى تلك الليلة ما حييت ففيها نحرت أحلامي وقتلت ابتسامتي وأصبحت مثل كثير من الحيوانات الموجودة في زريبة البيت الخلفية أؤدي عملي اليومي دون أن أعترض أو أبدي رأي، ومرت على تلك الحالة ثلاث سنوات أنجبت خلالها ولدين بالإضافة الى أبنيه السابقين من زوجته السابقة، وكان كل ما أتى بالأجازة الدورية سحبني للفراش وأنا أسلم نفسي كالجثة الهامدة لم أتمتع يوماً بأي لذة جنسية مثل أغلب النساء ولم أعترض يوماً على لذاته وشهواته الحيوانية الشرعية وغير الشرعية .
وفي يوم من الأيام، ركنت سيارة تكسي تحمل فوقها صندوقاً طويلاً تسأل عن بيتنا، أنه محمد لقد أستشهد، صرختُ مثل كل النساء الموجودات داخل الدار من أمه وأخواته وبعض الجيران من الذين سمعن بذلك وجئن يعزين أم محمد عمتي ويلطمن الخدود كعادة كل النساء العراقيات ولكن في الفرح هن فقيرات إذ لا تكاد أي منهن تحفظ أغنية على ظهر قلب، أنقضى الثالث ثم السابع والأربعين وأخيراً السنة وأنا مثل أي آله تنفذ واجباتها وتعنى بأطفالها، لم يكن للحياة أي لذة لا من قبل ولا حتى الآن ولم يكن سوى أطفالي هم جزء من عزائي وصبري على المستقبل ثم قررت الرجوع الى بيت أهلي، لم يوافق عمي على ذلك الطلب ولكن إصراري أذاب كل رجاءات عمي، فرجعت الى بيت أبي وفي جعبتي أثنين من الأطفال ودخلت غرفتي وانكببت على فراشي أبكي بحرقة وأتذكر أيام دراستي، كانت صور صديقاتي مطبوعة على الكتب وفي ذاكرتي وكأن هذه الغرفة هي كل الماضي والحاضر وما هذه الجزئيات البسيطة الى ملح لتلك الحياة، دخلت أمي تصبرني على وفاة زوجي، سألت أمي هل يمكنني أن أكمل دراستي وأمتحن خارجي، لم تعد أمي بتلك الصلابة التي عهدتها من قبل فقد كانت الوجه الآخر لأبي بل هي الصدى لأسمه حتى أصبحت مثل خياله شخصية ممسوخة ليس عليها الآ الطاعة، ولم أعد أنا تلك الشابة التي لا يسمع لها بعض الكلام فأنا الآن أرملة ولي طفلان وكأن هذا هو مطلب الوالدين أن تكسر رقبة الفتاة وليس مهم رجوعها الى الدار ولو بعد حين فالزواج هو الأمل بالنسبة لهم وغيره غير مهم.
مضت الآن خمس سنوات من ذلك الزواج وأنا مستعدة لدخول الامتحانات الخارجية لنيل شهادة الإعدادية وذلك ما يؤهلها لدخول الجامعة، نعم أنها كلية القانون أصبح إصرارها الآن أقوى من قبل بكثير لأنها سابقة كانت تحمل قضية والآن أصبحت هي صاحبة القضية على الرغم من أن مسؤوليتها قد ازدادت فالطفلين في طور النمو وكل ما تقدم الوقت ازدادت أكثر، ولكن كل ذلك لم يثن عزيمتها في الاستمرار في تحقيق هدفها وخرجت النتائج ونجحت بالمعدل الذي يؤهلها لدخول تلك الكلية والتي لم تصبح مكان للدراسة بل قلعة تحصن نفسها من كل تلك الأضطهادات والاحتقار الذي عانت وتعاني منه كل امرأة شرقية والنظر إليها بتلك الدونية المعهودة على أغلب الرجال الشرقيين وكأنها تكملة نصاب وليس عضو مهم ومؤثر يمثل كل الحياة وليس نصفها، ظهرت نتائج القبول وظهر أسمها مع بعض ممن عرفتهم أثناء استعارتها للكتب وبعض الدفاتر، نعم أنها كلية القانون - جامعة بغداد ... لقد خلعت فيحاء الثوب الأسود منذ أن وصلت الى دار أبيها فالاغتصاب الشرعي قد تم إزالته بقرار شرعي على الرغم من أنه خلٌف أطفال شرعيين من طرف واحد، وبدأت أنظر الى نهديٌ بعد أن ترهلا والى جسمي الناحل مثل الكثير من أواني الطبخ المنبعجة من جانب والمنتفخة من الجانب الآخر من كثرت الاستعمال، فبدأت تعمل رجيم وتنهض نهديٌها بعد تلك المحنه من خلال الحمالات، كذلك بدأت الآن تلحظ أن في البيت مرآة ليس مثل كل المرايا التي كانت تنظر من خلالها الى نفسها بل لقد اكتشفت أن في المرآة فتاة جميلة جديدة بحياة وحلم جديد، قررت أن تذهب الى السوق من أجل شراء بعض القمصان والتنورات لأنها لا تملك سوى ثياب البيت فهي لم تفكر يوماً بعد ذلك الزواج المشئوم بالخروج منه.
كان اليوم هو يوم الجمعة وقد جاءهم ضيوف وهم عمها أبو زوجها السابق وأبنه جاسم وبعض أعمامها الآخرين لطلب يدها بحجة أن أولاد أبنه ليمكن أن يتربوا بعيداً عنهم فهو يريد فيحاء لأبنه جاسم الشقيق الأصغر لمحمد، فرح أبيها كثيراً لهذا الطلب وفرحت أمها مثله ولكنها صعقت عندما سمعت هذا الطلب عن طريق أمها وهي تبلغها إياه، فرفضته بشدة وقالت لها صراحةً بأنها سوف تقتل نفسها إن تم ذلك الأمر، فأخبرت بذلك أبيها فدخل عليها غرفتها وكان حانق الوجه عصبي المزاج حاد اللهجة لسماعه ما نويت عليه وقال متوعداً ومهدداً، أن موتها لا يعني له شيء بل هو شيء يفرحه، وأمام هذا العصف الهائل والقسوة والتجبر الذي قُبلت به ركعت على رجليه تتوسله بأن يمهلها حتى تكمل دراستها الجامعية وتربي أطفالها أحسن تربية ولكن عبثاً راحت كل تلك الدموع والرجاءات.
لقد أنقضى على زواجها الثاني الآن ثلاث سنوات وقد وضعت الحرب أوزارها، وأنجبت الآن الطفل الأول منه وأصبح لديها ثلاث أولاد، وعادت الى ما كانت على سابق عهدها ترعى في البيت مثل باقي الحيوانات وتؤدي واجباتها البيتية وترعى ألأولاد والتي أصبحت علاقتها بهم باهته مثل باقي الأشياء الأخرى، كان جاسم زوجها الثاني إنسان جيد يحاول أرضائها بكل الطرق وبشتى الوسائل من خلال شرائه لها بعض الملابس والحلي الذهبية بل حتى كلامه المعسول الذي يحاول أن ينشط فيها تلك المشاعر الأنثوية التي ذبحت في تلك الجمعة المشئومة ولكن عبثاً يحاول، فهي الآن جسداً بلا روح ليس لأنه إنسان غير جيد بل لأن لعنة الزمان جعلتها أنثى وهي تلاحقها وتقف عائقا أمام تحقيق إنسانيتها ووجودها.
كان جاسم مثل كل المزارعين يخرج صباحاً الى الحقل ويسقي الأرض ويراعي مصالحها بكل أشكالها، وبدأت الأرض تستعيد أنفاسها وبدأ النخيل يشمخ من جديد والأشجار تحمل ثمارها وكأنها لأول مرة تحمل تلك الألوان الجميلة وأصبحت العصافير تملأ الحقل والبساتين والفراشات تطير وتتنقل بين الزهور، نعم لقد عادت الحياة الى الحقل وبدأتُ فيحاء تعتاد عليها وأصبحت كلمة ماما تدغدغ الحياة فيها مثل الماء الذي يسقي الأرض البور، لقد كبر أولادها وأصبحت تآنس جاسم الذي يحاول أرضائها بأي شكل على الرغم من بعض الكلمات السخيفة التي يسمعها من أمه وبعض أخواته لاحترامه لها.
ولكن للأسف لم يستمر ذلك طويلاً فقد دقت طبول الحرب من جديد، وأستدعي الشباب كلهم في نفير عام، وكان جاسم ضمن المدعوين، ولكن هذه المرة كانت الحرب بشكل ثاني والموت محقق لا محال فيها لكل من يشارك لعدم تكافؤ القوة ولأن الباطل كان دائما ضعيف والحق هو الصوت الذي يجلده، ولكنها لم تدم طويلاً لقد كانت أقل من السنة، خلالها فقد جاسم مثل آلاف من الشاب وبعد مرور أكثر من سنة علموا أنه قد مات في القصف أثناء انسحاب الجيش حيث كانت الطائرات تقصف الجيش العائد والمنهزم بقسوة، فأقاموا له مراسيم العزاء وأخرجوا له شهادة الوفاة لينتهي الأمل الذي قد بقيت فيحاء من أجله سنة كاملة وهو غائب عن البيت، ومرةً أخرى قررت الرجوع الى بيت أبيها فلا مبرر لبقائها هنا بعد اليوم وخاصةً بعد أن أصبحت في نظرهم مثل البومة وهي تذاكر شؤم تذكرهم بولديهم الاثنين الذين قتلوا في الحروب والتي لم تكن طرفا فيها والحقيقة هو أنها الضحية فالموت هو راحة للميت وهي ميتة ولكن بنفس يصعد وينزل تشم رائحة النظراتْ التي تلتهمها من كل أهل زوجها القديم والجديد.
عادت الى بيت أبيها بنفس الثوب الأسود بعد أن خرجت منه بالثوب الأبيض هذه المرة ولكن بثلاثة أطفال وهي مكسورة مذبوحة وبدلاً من مواساتها أصبحت هي الملامة على كل ما جرى لتلك العائلة، ودخلت غرفتها التي أصبحت تضيق بهم لقد أصبحوا أربعة الآن، بدأت تعتاد على حياتها في بيت أبيها ولكن دون أي طموح أو أمل بل تنتظر مثل أوراق الشجر موسم الخريف لتسقطها وتعود الى الأرض التي أتت منها، ولكن بدأت أمور تستجد وتفرض نفسها، فالأولاد أصبحوا في المدارس وهم في كل يوم يحتاجون الى المتابعة في القراءة والكتابة وما الى ذلك من الشؤون المدرسية وكان ذلك يشغل من وقتها الكثير، لقد أصبح أحمد الولد البكر في الصف الرابع ابتدائي ومثله أخوه في المراحل الابتدائية الأقل منه، كان ذلك الإنشعال يبعث الأمل بداخلها من حيث لا تعلم ورجعت تحب الحياة وأبتسمت لها من خلال هؤلاء الأطفال وقد أصبحوا هم هدفها ولا مطمع لها في الحياة سوف وصولهم الى أعلى المراتب في الحياة الدراسية ومن ثم الوظيفية، في الوقت نفسه بدأت تهتم بتربية بعض الحيوانات الأليفة من الدجاج والبط، أن الحياة مع تلك الحيوانات تجعلها أجمل فهي عبارة عن مشروع عطاء لا يفكر أن يأخذ أبداً مثل كل الأمهات، أن المتعة التي تحققها للإنسان تفوق الكثير من الأشياء وخاصة للنساء فهن لا يفكرن في المال أو الأملاك والأطيان، كذلك بدأت تزرع بعض الشتلات الصغيرة من الأشجار المثمرة بالقرب من الدار وتلحظ تلك الفراخ الصغيرة التي تسير خلف وأمام أمها بحثاً عن الغذاء وكيف يأتين بسرعة الى منقار الأم أو الى قدمها أثناء بحثها عن بعض الديدان أو الحشرات الأخرى، ومثلها البط الذي يغطس في الماء ويخرج، لقد أصبحت الحياة بعد الحرب الثانية صعبة جداً، فالمواد الغذائية التي في السوق تتضاعف أسعارها بل أن الكثير من أقرباءهم ممن هجروا الناحية الى المدينة رجعوا إليها هرباً من تلك الحياة التي أصبحت صعبة وقاسية وبدأت الزراعة تلتقط بعض أنفاسها على الرغم من غلاء مستلزماتها وكذلك بدأت الحيوانات تتضاعف أسعارها مثلما يتضاعف أسعار منتجاتها، ولقد أزداد الفقراء حتى في ناحيتنا للذين لا يمتلكون قطعة أرض زراعية وإنما كانوا موظفين أو يعملون في القطاع الخاص كأن يكون لديه محل عطارة أو غيره وأصبحت الكدية شيء مشاع وطبيعي لم تألفه الناحية من قبل، وكذلك فقد أزداد عدد الفلاحين الذين يطلبون العمل في تلك الأراضي الزراعية بعد أن كان صاحب الأرض يقدم الكثير من التسهيلات لهم ولكن دون جدوى أما الآن فقد أنقلب السحر على الساحر كما يقولون، وأصبح الغذاء هو الهم الرئيسي للإنسان من أجل البقاء، لقد ولى زمن الطموح والأحلام ومثله ولى زمن الخير والطمأنينة فقد أصبحنا نسمع عن الكثير من السرقات والسلب للسيارات وأصبحت الحياة مثل الغابة مثلما نسمع عن الكثير ممن يبيعون آثاث بيوتهم وبعض إنشائياته.
بقيت الناحية على هذا الحال قرابة الأثنا عشر سنة وقد بلغت فيحاء من العمر الربع الأخير من النصف الثاني من الثلاثين، هم الآن في نهاية التسعينات وقد تجمدت الحياة وصعبت كثيراً، لكنهم لم يكونوا على ضررٍ كبير منها فالأرض الزراعية وبعض الحيوانات الأليفة كانت توفر لهم القسم الأكبر من الغذاء، لذلك لم تشعر بقسوتها، وفي أحد الأيام جاءت إحدى النساء من التي نزحن من المدينة اتجاه ناحيتنا تطلب يدها لأبنها المعوق والأرمل والأب لأثنين من الأطفال، وقد كانت من خلال الحديث الذي يدور في عصاري كل يوم أثناء شرب الشاي وتنظيف الرز من الشوائب أو غيرها من المسؤوليات بين النساء ممن يأتين لزيارة والدتها يدور بينهن حديث عن كل شاردة وواردة في الناحية وهي تستمع لهن وقد عرفت عنه أنه رجل مثقف ومتعلم ويعمل سائق تكسي بعد أن تخرج من كلية التربية ولكن للأسف لم يحصل على تعيين في دوائر الدولة، ولكن وضعه المادي فوق المتوسط فهو يمتلك بيت في المدينة إضافة الى الأرض الزراعية البسيطة في ناحيتهم والتي أسكنوا فيها أحد أقاربهم ليزرعها.
كان الزوج الثالث للأسف معوق في الحرب الثانية فقد أنفجر لغم أرضي وقطع كف قدمه، لم تفكر فيحاء كثيرا في ذلك لقد أصبحت فرص الحياة أمامها ضعيفة ومن غير الممكن أن يبقى وضعها هكذا فهي تحتاج الى رجل يساعدها في تربية أبنائها الثلاثة مثلما تحتاج الى من ينفق عليهم جميعاً بعد أن ازدادت طلباتهم ، ولكنها اشترطت عليه أن تنجب طفلاً واحداً يربط الأطفال الخمسة من خلاله فوافق الرجل دون أي تردد خاصةً أنه معوق وعمله كسائق تكسي متعب جداً في حر الصيف وبرد الشتاء القارص وضجيج الشارع مثل كثير من الأعمال.
هكذا تم الزواج بطريقة بسيطة وبموافقتها هذه المرة نحرُ خروف صغير وأقيمت عليه وليمة على مستوى العائلتين، دون زفة أو أي مراسيم أخرى، ومضت الأيام وبدت ملامح الحياة المحترمة البسيطة تنمو بينهم ودخل زواجهم الألفية الثانية وفي السنة الأولى من تلك الألفية أنجبت فيحاء طفلة أسمتها أمل فرحت بها كثيراً على الرغم أن ذلك على غير عادتها وكان زوجها في كل صباح يخرج بسيارته مثل كل الطيور والحمام ليس لديه محل أو معمل أو مصنع يرتزق منه فسائق التاكسي والحمام كلاهما يلتقط رزقه من الشارع، ويعود مساءا محملا بما جاد عليه الشارع ليجود به على أهل بيته، وكانت فيحاء تقوم بواجبها على أحسن وجه فلقد أصبح لها بيت وهناك مواعيد للمدرسة والطبخ وغيرها من المسئوليات الكبيرة، ومرت الحياة بهم هكذا على مدى ثلاث سنوات إلا أن نذر الحرب بدت تلوح في الأفق والجيوش التي كانت تتوعد البلد هي اليوم صادقة في احتلالها وبالفعل دخلت تلك القوات اليه وأسقطت نظام الحكم الذي تسبب بهذه الحرب والحربين السابقتين وعمت فوضى عارمة اكتسحت البلاد كلها إلا بعض أجزائه الشمالية وأشتعل القتال بين الناس.
كان خفقان قلبها يضطرب كلما بدأت الحرب على البلد وكانت قد رجوت زوجها أن لا يخرج من البيت فيمكنهم العيش على هذه الأرض الزراعية الصغيرة وبعض الحيوانات التي تربيها في الدار إلا أنه رفض فكف قدمه اليمنى مقطوع فكيف يعمل بالزراعة ويقلب الأرض أو يسقيها أو الوقوف طويلا هنا أو هناك وغيرها من ضروريات الأرض وأصر على الخروج الى العمل، كان قلبها يعلمها فهي صاحبة تجربة بالحربين السابقتين وهذه الحرب الثالثة وفي كل حرب تخسر زوج بعد أن تنجب منه ولم يكذب الوقت ظنها فلقد قتل زوجها بعد أن أختطف هو وسيارته ووجدوا جثته في الطب العدلي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصة قصيرة بعنوان (كبش ابراهيم )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
El Koom El Taweel :: القسم الادبي-
انتقل الى: