El Koom El Taweel

الكوم الطويل
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

اهلا ومرحبا بكم فى منتدى الكوم الطويل **** خالص تحياتى **** خالد بدر



شاطر | 
 

 قصتان قصيرتان لميخائيل بوهاكوف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم مرعى

avatar

عدد المساهمات : 127
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/02/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: قصتان قصيرتان لميخائيل بوهاكوف   الإثنين مارس 01, 2010 9:58 am

مغامرات تشيتشيكوف

- إنتبه ، إنتبه ، أيها الأحمق - صرخ تشيتشيكوف بسيليفان.
- سترى حين أضربك بالسيف ! - صاح رقيب ذو شوارب يبلغ طولها أرشينا "1" وهويسوق عربة مسرعة من الجهة الأخرى للطريق - لتخطفك الشياطين ، ألا ترى عربة الدولة ؟! ( غوغول )


مقدمة

... حلم ما ، غريب ، حلمت بأن شيطانا مزّاحا فتح الباب المؤدي الى دولة الظلال. فوق الباب كان يومض مصباح أبدي مكتوب عليه : ( النفوس الميتة ). وبدأت الحركة في بلاد الموتى ، وزحفت منها الظلال - ظل بعد آخر وبلا نهاية .
مانيوف بفرائه الدبّي ، نوزدريوف في عربة خيل ليست عربته ، ( المستبد) "2" على مضخة إطفاء ، سيليفان ، بييتروشكا ، فييتينيا...
وكان آخر من تحرك هو بنفسه ، بافيل إيفانوفتش تشيتشيكوف. وكان في عربته الخفيفة المعروفة .
وتوجّه هؤلاء الأوباش كلهم الى روسيا السوفيتية. وفي تلك الروسيا حصلت أحداث غريبة. وأيّ أحداث هي ؟.ستذكر كلها بالتفصيل أدناه...

( 1 )

في موسكو إنتقل تشيتشيكوف من عربته الى سيارة قادها بسرعة كبيرة في شوارع العاصمة ، ذات المطبات والحفر. كان مسرعا ينزل أشد اللعنات على رأس غوغول :
- أن تقفز تحت عيني إبن الشيطان هذا فقاعات اللحم! ولتكن بحجم أكوام القش! لقد لوّث سمعتي لدرجة أنني لا أقدر على أن أبرز أنفي في أي مكان. فهم إذا عرفوا بأنني تشيتشيكوف يلقون بي الى الشياطين! وهو شيء جيّد ، فقد يكون مصيري في
( وبيانكا)"3" . وكل شيء بسبب غوغول ، وليكن الوغد ملعونا هو وأمه وأبوه...
وصل ، وهو نهب لمثل هذه الخواطر، الى الفندق الذي كان قد غادره قبل مائة عام.
كل شيء هنا كان كما كان. من الشقوق ظهرت الصراصر بل هي قد تكاثرت. لكن حصلت هناك تغيرات أيضا . مثلا بدل اللافتة التي كان مكتوبا عليها ( فندق ) علق هناك ملصق كتب فيه ( نزل الدولة رقم ...). أما القذارة والروائح الكريهة فهي تفزع غوغول نفسه.
- غرفة رجاء !
- كتاب التوجيه رجاء !
غير أن الرجل البارع بافيل إيفانوفتش لم يرتبك ولو لحظة واحدة.
- المدير !
وبغمضة عين كان المديرا حاضرا. إنه من المعارف القدامى. رجل ما ، أصلع الرأس إسمه بيميين وهو نفسه الذي أدار في زمن ما ( آكولنكا ) ، أما الآن فقد فتح في ( تفير ) مقهى روسية فيها مشوّقات ألمانية و( بلاسم ) ، بالطبع البغايا أيضا. الضيف والمدير تعانقا وتبادلا القبل وتهامسا وسهلت كل الأمور بأقصى سرعة وبدون حاجة الى أيّ كتاب توجيه. تناول بافيل إيفانوفتش شيئا من الطعام وهرع باحثا عن العمل .

( 2 )

كان هو في كل مكان. وفي كل مكان سحر الجميع بإنحناءاته الرشيقة وبلاغته الفريدة التي ميّزته دائما.
- تفضل بملء الإستمارة.
وأعطوه قطعة ورق طولها أرشين وفيها مائة من أكثر الأسئلة دهاء : من أين وإلى أين ولماذا ؟... ولم تمض خمس دقائق إلا وملأ بافيل إيفانوفتش الإستمارة التي كانت بمثل هذا الطول والعرض البالغين. لكن يده إرتعشت حين سلم الإستمارة :
- نعععم - فكر - الآن سيقرأون وسيعرفون أيّ جوهرة أنا ، و...
لكن لم يحدث أي شيء إطلاقا.
أولا لم يقرأ أي أحد الإستمارة ، وثانيا وصلت هي الى آنسة في شعبة التسجيل لم تفعل بالإستمارة الشيء المعتاد : بدلا من تسجيلها في الأوراق الواردة سجلتها في الأخرى الصادرة ثم دسّتها في مكان إختفت فيه الإستمارة كما يختفي حجر صغير في المياه.
وإرتسمت تحت شارب تشيتشيكوف إبتسامة. وبدأ العمل.

( 3 )

وبعدها مضت الأمور بصورة جيدة ، وكلما مضت أبعد كانت هي أحسن. جال تشيتشيكوف ببصره حواليه وجزم بأنه في كل مكان يجلس معارفه وليس غيرهم. هرع الى المكتب الذي يوزع حصص التموين وسمع هناك :
- أنا أعرفكم ، أنتم البخلاء ! تأخذون قطة وتسلخون جلدها وتعطونها كحصة تموين ! أما أنا فأريد أن تعطوني لحم ضأن مع برغل. سوف لن أمس هذه الحصة المكونة من ضفادع وسمك رنكة فاسد وحتى لوغطيتم هذا الطعام بالسكر!
ينظر تشيتشيكوف، فيرى أن هذا هو سوباكييفتش.
وكان هذا قد طالب فور وصوله بحصة تموين. وحصل عليها. ويالها من حصّة ! جلس حينها وأكل ثم طلب المزيد فأعطوه. لم يكتف بذلك! أعطوه حصة أخرى ولم تكن عادية بل من نوع خاص. ولم يكتف بذلك! بل أعطوه حصة من الحصص المحجوزة لبعض القوم. إلتهم كل شيء وطالب بالمزيد ، وأي شغب أثاره ! نعت الجميع بالفرّيسيين وصرخ قائلا بأن محتالا يجلس على محتال ويطارد ثالثا ! وأن ليس هناك من إنسان جاد في عمله غير رئيس شعبة التقارير وحتى هذا هو خنزير في الحقيقة !
وأعطوه أكبر حصة : الحصة الأكاديمية.
رأى تشيتشيكوف كيف يلعب سوباكييفتش بحصص التموين ، وهكذا بدأ هو العمل أيضا. وفاق سوباكييفتش في هذا المضمار. إستلم حصصا تموينية لنفسه ولزوجة مزعومة مع الطفل ولسيليفان ولبييتروشكا وللرجل الذي روى قصته لبيتريتشتشيفوف ، وللأم العجوز التي رحلت عن الدنيا منذ وقت بعيد. وكل هذه الحصص كانت أكاديمية. وكان الطعام كثيرا لدرجة أنهم أضطروا الى نقله في شاحنة.
بعد أن سهّل قضية التموين توّجه الى الدوائر الرسمية الأخرى.
وفي إحدى المرات عندما كان مسرعا بسيارته وعبر جسر كوزنيتس إلتقى بنوزدريوف. وهذا أخبره فورا بأنه باع ساعة الجيب وسلسلتها، وبالفعل لم يكن يملك الأولى ولا الثانية . إلا أنه لم يقرّ بالهزيمة. أخذ يتكلم كيف إبتسم له الحظ في اليانصيب وفاز بنصف رطل من الدهن وزجاجة للمصباح النفطي وعدد من النعال لأحذية الأطفال ولكن بعدها عبس له الحظ، ويا للطاعون ، أرغم على أن يدفع ستمائة مليون من جيبه الخاص. كذلك تكلم كيف إقترح على فنييشتوغوف أن بمكنته ان يحصل على وجبة من الخناجر القوقازية الحقيقية لكي تباع في الخارج. وبالفعل حصل عليها. ولكان قد كسب قدرا كبيرا من النقود لولا أولئك الخنازير الإنجليز الذين إنتبهوا الى الكتابة على الخناجر Sad الصانع الماهر سافيليي سيبيرياكوف )، ورموا الوجبة. بعدها جرّ تشيتشيكوف الى غرفته وروى عطشه بكونياك رائع الا أن فيه كانت رائحة الشراب المقطّر في البيت وبكامل روعتها. في الأخير كذب بما فيه الكفاية وأكد بأنهم أعطوه كحصة تموينية ثمانمائة أرشين من القماش وسيّارة بلون أزرق مبطنة بالذهب كما إستلم أمرا إداريا بأن يوّفر له سكن في قصر صغير ذي اعمدة عند المدخل. أو عندما إرتاب صهره ميجويف بالحكاية نعته نوزدريوف وليس بكونه من سوفرونوف تلك العائلة السيئة الصيت بل أنه من اولئك النتني الرائحة.
بكلمة واحدة أضجر تشيتشيكوف لدرجة أن هذا لم يعرف كيف يهرب منه.
غير أن الحكايات النوزدريوفية أوحت له بفكرة انه قادر بنفسه على أن يتفرغ للتجارة الخارجية.

( 4 )

وفعل هذا الشيء. ملأ إستمارة ثانية وبدأ العمل مظهرا كل قدراته . ساق الى الحدود قطيعا من الخراف ، وكل خروف منها كان بفروتين حشا الدانتيل الفاخر بينهما، أما الماس فهرّبه في عجلات السيّارات ومحاورها وفي الأذن والشيطان وحده يعرف في أي أماكن أخرى.
وفي وقت قصير جمع ما يقارب الخمسمائة مليارد.
إلا أنه لم يكتف بذلك. كتب الى من يخصه الأمر حول إستئجار شركة معينة، وهنا لم يبخل بصبغ الألوان القزحية وتبيان الفوائد الكبيرة التي ستعود على الدولة من جرّاء ذلك.
في المكتب فغر الكل أفواههم من أذن الى أخرى - بالفعل تبدو الفوائد بقدر فنتازي . ورجوه هناك أن يشير الى المؤسسة التي ستجلب كل هذه الفوائد. بالتأكيد بالتأكيد! إنها كائنة في بوليفار تفير، بالضبط قبالة دير ( العذاب الربّاني )، وحملت إسم البوليفار.
والمكتب توجه الى من يعنيه الأمر بسؤال حول ما إذا كان هناك شيء من هذا القبيل فعلا. جاء الجواب Sad بالطبع . موسكو كلها تعرف ). رائع.
- تفضل بوضع حساب التكاليف.
وتشيتشيكوف كان في جيبه هذا الحساب.
وتمت الموافقة على الإستئجار.
ولم يضع تشيتشيكوف الوقت. هرع الى الجهة المعنية .
- سلفة رجاء .
- الرجاء تقديم الأوراق المطلوبة . وبثلاث نسخ ومعها التواقيع اللازمة والأختام.
قبل أن تمضي ساعتان كانت الأوراق جاهزة ولبّت جميع المتطلبات. الأختام بعدد النجوم في السماء. والتواقيع ملء العين .
- نيابة عن المدير - التوقيع Sadلاتنتبه - معلف ) ، نيابة عن سكرتير الحزب - كوفشيننويه بوز الخنزير، نيابة عن رئيس لجنة الأسعار والرسوم يليزافييتا فوروبيي.
- موافق . هذا كتاب دفع السلفة.
وعندما رأى أمين الصندوق المبلغ وصل عجبه الى حد إطلاق تنهدة.
قام تشيتشيكوف بتوقيع سند الدفع ونقل النقود بثلاث عربات خيل.
هرع بعدها الى المكتب التالي .
- سلفة رجاء.
- لنر البضاعة رجاء.
- كونوا لطفاء وإرسلوا ممثلكم.
- هيّا ليذهب الممثل !
هه ، أمر لايصدق ! إنه من المعارف أيضا : يمليان روتوجيي.
أخذه تشيتشيكوف معه وأراه أول مخزن صادفه. يمليان ينظر ويجد أن البضائع لاتعد ولاتحصى.
- نععععم . هذا كله ملك لك يا سيدي ؟
- كله.
- إذا كان الأمر هكذا - قال يميليان- أرجو قبول تهانئي. أنت يا سيدي لست مليونيرا بل تريليونير.
أما نوزدريوف الذي حشر نفسه بينهما فقد أخذ يصب الزيت في النار:
- أترى هذه الشاحنة المحملة بالأحذية ؟ هذه التي تعبر البوابة ؟ إنها أحذيته.
بعد ذلك حين سيطر الحماس عليه جرّ يميليان الى الشارع وأخذ يريه:
- هل ترى هذه المتاجر؟ كلها ملكه. ذاك الجانب من الشارع.. وهذا أيضا . هل ترى الترام. إنه ملكه. ومصابيح الشارع ؟. ملكه أيضا ... هل ترى؟ هل ترى ؟
وأداره الى جميع الجهات لدرجة أن يمليان بدأ يتوسل إليه:
- أنا مصدّق ! إنني أرى !... إتركني فقط.
وعادوا الى المكتب.
وسألوا يمليان :
- ماذا كان هناك؟
وهذا إكتفى بالتلويح بيده ثم قال :
- كان شيئا يعجزعن الوصف!
- طيّب. طالما يعجز عن الوصف أعطوه ( عددا تربيعيا غير معلوم زائد واحد ) من الملياردات.

( 5 )

ونجاحات تشيتشيكوف التالية جرت بوتيرة تسبّب دوار الرأس. وما فعله كان أمرا لايصدق. أسس ( إتحاد مصنوعات الحديد من نشارة الخشب ) ، بالطبع إستلم قرضا على الفور. صار مساهما في تعاونية كبيرة جدا وأطعم موسكو كلها بالمقانق المعمولة من الجيف. حين سمعت مالكة الأراضي كوروبوتشكا بأنه ( يمكن تسهيل كل شيء ) في موسكو ، قدمت لشراء عقار. وتشيتشيكوف إتفق مع زاموخريشكين و أوتييشيتيياني وباعها ال( مانيز )"4" الكائن قبالة الجامعة. وعقد إتفاقا حول كهربة مدينة منسية تماما. أقام بعدها الصلات مع عمدة سابق ، وسوّرالأرض وغرز القضبان الخشبية هنا وهناك لكي تبدو المسألة كأن هناك مشروعا إستثماريا على وشك التنفيذ... ثم أعلن بأن عصابة الكابتن كوبييكين قد سلبته نقوده. بكلمة واحدة صنع الأعاجيب.
وفي موسكو إنتشرت الأقاويل بأن تشيتشيكوف تريليونير. اخذت شتى المعاهد والمؤسسات تتعارك للحصول على تشيتشيكوف كخبير. وها أنه إستاجر مسكنا ذا خمس غرف بخمسة ملياردات وأصبح يتناول غداءه وعشاءه في ال( إمباير )...

( 6 )

وإستمرت الحال لغاية حدوث الإنهيار.
كل شيء حصل كما في النبوءة الغوغولية : نوزدريوف سبّب ضياع تشيتشيكوف ، وموروبوتشكا قضت عليه. وكان نوزدريوف قد سكر وثرثر بدون نية سيئة ، في سباق الخيل ، بموضوع نشارة الخشب وإستئجار مؤسسة وهمية ... وأجمل هذا كله بالقول إن تشيتشيكوف هو محتال وكان من المفروض أن يرمى بالرصاص.
وصدق السامعون بالكلام وإنطلق الخبر كالشراراة.
إضافة الى ذلك جاءت كوروبوتشكا الغبّية الى المكتب وسألتهم متى سيكون ممكنا فتح مخبز في ذلك ال( مانيز ). وقد فشلوا في إقناعها بأنه عائد الى الدولة ومن غير الممكن شراؤه ولا فتح مخبز أو غير مخبز فيه. والعجوز لم تفهم الأمر.
أثناءها قيلت عن تشيتشيكوف أمور أسوا فأسوأ. وبدأ يتسرب الى الرؤوس السؤال : أيّ طراز من الناس هو ومن أين قد جاء ؟ وإنتشرت الشائعات الواحدة أسوأ من الأخرى وأكثر إثارة للعجب. وتسرب القلق الى القلوب. وبدأت تدق أجراس الهواتف وتعقد الإجتماعات الرسمية ... وتشاورت لجنة البناء مع لجنة التفتيش ، وهذه مع جيوتيدييل"5" ، و هذا مع ناركو مزدراف، والأخير مع غوافكو سبروم الذي تشاورمع ناركومبروس الذي بحث المسألة مع بروليتكولت وإلى آخره وإلى آخره وما شابه ذلك.
تقرر إستدعاء نوزدريوف. بالطبع كان هذا خطأ. فالكل يعرف أن نوزدريوف كذاب لايمكن التصديق ولو بكلمة واحدة من كلامه.. بالرغم من ذلك إستدعوه. وأجاب على جميع الأسئلة.
ذكر أن تشيتشيكوف إستأجر بالفعل شركة وهمية وهو، أي نوزدريوف ، لم ير هناك أي سبب يمنعه من الأخذ طالما أن الكل يأخذ. وردّا على السؤال فيما إذا كان تشيتشيكوف هذا جاسوسا ل( الحرس الأبيض ) أيضا ، قال إنه جاسوس وحتى أنهم لوقت غير بعيد أرادوا إعدامه بالرصاص لكن لأسباب ما لم يحصل ذلك. وردّا على سؤال آخر حول هل أن تشيتشيكوف سبق أن زوّر النقود أكد بأنه فعل هذا الشيء ، وأخذ يتكلم عن مكره غير العادي: حين عرف أن الحكومة تزمع إصدار أوراق نقدية جديدة إستأجر مسكنا بالقرب من موسكو وطبع هناك عملات مزيفة قيمتها 18 مليارد روبل ، وحتى أنه قام بالفعلة قبل يومين من طرح العملات الحقيقية. وعندما داهمت المليشيا المسكن وختمته بالشمع الأحمر إستطاع هو في أثناء ليلة واحدة فقط ان يخلط العملات المزيفة بالحقيقية لدرجة أن الشيطان نفسه لم يستطع التعرف على هذه وتلك. وردّا على سؤال فيما إذا كان تشيتشيكوف قد أبدل مليارداته بالماس لكي يهرب معه الى الخارج أجاب بأن هذا قد حصل وهو نفسه وافق على أن يساعده ويسهم في هذه القضية ، فبدونه يفشل تشيتشيكوف في هذه القضية أيضا.
بعد الإستماع الى شهادة نوزدريوف أصاب الجميع الغم . فبكل وضوح لم يكن ممكنا الجزم من هو تشيتشيكوف. ولايعرف بأي صورة كانت ستنتهي المسألة لو لم يكن هناك إنسان معيّن لم يمسك ، في الحقيقة ، بيده ، شأن الآخرين ، كتابا لغوغول الا أنه كان يملك قليلا من العقل السليم.
وفي لحظة معيّنة صاح:
- هل تعرفون من هو تشيتشيكوف؟
وعندما صرخ الكل في آن واحد كأنهم فرقة إنشاد:
- قل ، هيا ؟ ، نطق بصوت كأنه خارج من القبر:
- إنه محتال.
في تلك اللحظة لاغيرها أدرك الجميع حقيقة الأمر. بدأوا يبحثون عن الإستمارة . لاتوجد. في سجل الكتب الواردة. لاتوجد. في الخزانة . لاتوجد. سالوا موظفة الواردة . ( من أين لي أن أعرف ؟ إنها عند إيفان غريغوريتش ! ).
وهرعوا الى إيفان غريغوريتش :
- أين هي ؟
- هذا أمر لايخصني. إسألوا سكرتير الحزب ، وإلخ وعلى هذه الشاكلة.
وفجأة عثروا عليها في سلة الأوراق المهملة ، ها هي !
وبدأوا يقرأون ، وحوّلتهم الصدمة الى عمود من حجر.
الأسم ؟ بافيل . إسم الأب ؟ إيفان . اللقب ؟ تشيتشيكوف. المهنة ؟ شخصية من غوغول. ماذا كان يفعل قبل الثورة ؟ كان يشتري نفوسا ميتة. هل أدى الخدمة العسكرية ؟ لا ونعم. الشياطين تعرف ما حصل حينها. الإنتماء الحزبي ؟ مؤيد ( لكن لمن - غير معلوم ). هل صدر حكم قضائي بحقه ؟ ( رسم هنا خطا متعرجا ). العنوان ؟ البوابة من الباحة ، الطابق الثاني الى اليمين. إسألوا في مكتب العناوين ضابطة الأركان بودتوتشينا - هي تعرف.
التوقيع ؟ إغمس الريشة.
وقرأوا وجمدوا مثل الصخر.
إستدعوا المرشد بوبتشينسكي:
- إسرع الى تفيرسكايا الى تلك الشركة المستأجرة . وأنظر في الباحة حيث توجد بضائعه . قد يتضح شيء ما.
يعود بوبتشينسكي. عيناه صارتا مدوّرتين مثل الصحن.
- إنها قصة لامثيل لها !
- هيّا ، ماذا هناك؟!
- لا أثر للشركة. لقد أعطى عنوانا هو تمثال بوشكين ، والبضائع ليست ملكه بل ملك شركة ( آرا ).
وهنا صرخ الجميع بأعلى صوت :
/ أيتها الأم الأقدس !، ياللكارثة ! ونحن أعطيناه الملياردات ! يجب القبض عليه طالما أن الأوان لم يفت بعد !
وبدأوا البحث عنه.

( 8 )

الإصبع على الزرّ:
- نادوا الساعي!
فتح الباب ووقف عنده بييتروشكا . لقد ترك منذ زمن طويل تشيتشيكوف ويعمل الآن ساعيا في المكتب.
- خذ هذا المظروف وإذهب على الفور رجاء.
- أمركم . قال بييتروشكا . وعلى الفور أخذ المظروف ، وعلى الفور تحرّك ، وعلى الفور أضاع كل شيء.
جرس يدّق : إلى المرأب ، الى سيليفان!
- إجلبوا سيارة على الفور !
- نعم ، نعم.
سيليفان تحرك وغطا المحرّك بسروال دافيء ووضع عليه المعطف القصير أيضا ثم قفز الى المقعد وصفر وزمّر وإنطلق بسرعة.
وأيّ روسي لايحب السياقة السريعة ؟
سيليفان يحبها أيضا - وهنا عند ( وبيانكا ) كان مرغما على الإختيار بين الترام وواجهة المتجر الزجاجية . وفي جزء من الثانية إختار سيليفان الثانية ، وتفادى الترام وطار ، مثل الريح القوية ، وهو يصرخ ( النجدة! ) ، عبر الواجهة الى المتجر.
وحينها حتى تيينييتنكوف مرؤوس كل هؤلاء البييتروشكات والسيليفانات نفد صبره :
- أطردوا الإثنين!
وطردوهما ، ثم توجهوا الى بورصة التشغيل. ومن هناك أرسل بلوشكينوفسكي بروشكا مكان بييتروشكا ، وغريغوري( إقدم - لا - إقدم ) بدل سيليفان. حينها إكتسبت المسألة زخما.
- أين عريضته من أجل السلفة ؟
- هذه هي.
- إبعثوا الى هنا ب( لاتنتبه - معلف ).
تبين أنه ليس ممكنا إستقدامه. فقبل شهرين طرد هذا من الحزب . ومن موسكو طرد نفسه بنفسه إذ لم يكن هناك ما يفعله على الإطلاق.
- وكوفشينويه معلف ؟
وهذا ذهب بعيدا في مهمة هي الإشراف على مؤسسات المحافظة.
حينها إستدعوا يليزافييتا فوروبيي. لكن مثل هذا الشخص لايوجد ! في الحقيقة توجد الكاتبة على الطابعة يليزافييتا ولكن لقبها ليس فوربيي. هناك مساعد نائب المقرّر الثاني زامزافبودوتدييل ولكن ليس هذا يليزافييتا!
وهكذا جلبوا الكاتبة على الطابعة.
- إذن انت ؟
- ابدا ! ولماذا أنا ؟ هناك يلييزافييتا ولكن أنا اليزبيتا. الإسم مختلف تماما..
وإنفجرت بالبكاء . وتركوها لحالها.
وأثناءها أي حين تفرغوا ليليزافييتا فوروبيي قام الحقوقي ساموسفيستوف بإبلاغ تشيتشيكوف ، سرّا، بأن قضيته بدأت تنبعث منها رائحة كريهة. وكان أمرا مفهوما أن يختفي تشيتشيكوف بدون أثر.
ولم يفد بشيء إرسال سيارة الى العنوان الذي كتبه تشيتشيكوف. ففي الطابق الثاني من الجهة اليمنى لم يكن هناك أي مكتب بل كان هناك مطعم حكومي مهمل وخرب. وجاءت الى القادمين الكناسة فييتينيا . قالت بلكنتها الشعبية :
- لا أحد هنا.
في الواقع كان هناك مكتب العناوين لكن على الشمال وليس اليمين. كذلك لم تجلس هناك أي ضابطة أركان بل إمرأة إسمها بودستيوغا سيدروروفنا. وهذه لم تعرف عنوان تشيتشيكوف بل أنها لم تعرف عنوانها.

( 9 )

حينها أصاب الجميع اليأس. فالقضية تعقدت لدرجة أن الشيطان نفسه لم يكن يفقه شيئا. نشارة الخشب إمتزجت بذلك الإستئجار الوهمي ، وأشرطة الدانتيل بالكهربة ، وصفقة كوروبوتشكا بالماس. تبين أن نوريوف كان شريكا ، وكان مؤيد الحزب يميليان روتوجيي ن شأن اللص اللاحزبي أنتوشكا ، متورطا في الفضيحة.. عدا ذلك إنفجرت ، فجأة، فضيحة أخرى وكانت حول الحصص التموينية لسوباكييفتش. بإختصار إنكشف الأمر من كل الجهات!
وساموسفيستوف كان متورطا جدا أيضا . كانت هناك قضية نبش غير مشروع في صناديق، وتزوير أوراق حول سفرات رسمية ( في هذه القضية وحدها كان متورطا حوالي خمسين ألف شخص ) وإلى آخره وماشابه ذلك. بكلمة واحدة صارت هناك قضية لايفقهها أحد غير الشياطين. وأولئك الذين خسروا الملياردات والآخرون الذين كان عليهم أن يعثروا عليها عصف الهلع بهم جميعا. ولم يعوا الا حقيقة واحدة لاخلاف حولها:
- كانت هناك ملياردات وهي لاتوجد الآن.
وفي الأخير نهض رجل نابه وقال :
- علينا ، كما يبدو ، أن نشكل لجنة تحقيق. بدونها نحن عاجزون.
وفي تلك اللحظة ( في الحلم كل شيء هو أمر ممكن ) ظهرت أنا ، المنقذ المنتظر ، وقلت :
- أوصوني بحل المشكلة.
سادت الدهشة.
- وهل ... تقدر أنت يا سيّد ؟
كان جوابي :
- كونوا مطمئنين.
في البدء كان هناك تردد. وبعدها جاء التصميم . وكتب بالحبر الأحمر :
- تقررت التوصية.
حينها بدأت العمل ( لم أملك في حياتي حلما أكثر غبطة ! )
ومن كل الجهات جاءني 35 ألفا من راكبي الدراجات النارية :
- قد تكون هناك حاجة الي شيء ما ؟
- لاحاجة الى أي شيء . تفرغوا لقضاياكم . أنا أدبر حالي.
ملأت رئتي بالهواء وصحت بصوت إهتز له زجاج النوافذ :
- إجلبوا ليابكين - تيابكين ! فورا ! هاتفيا !
- هاتفيا غير ممكن ... الهاتف عاطل.
- أها ، هكذا هي الحال ؟ عاطل ؟ السلك إنقطع أم أن هناك أمرا آخر، ماذا ؟ في هذه الحالة ولكي لا يبقى معلقا بدون فائدة يجب أن يشنق عليه من قال هذا الشيء !!!
يالجراح المسيح ، يصعب تصديق ما حصل !
- ولكن أيها الرفيق ! الرحمة... ما هذه الأفكار .. طيّب ، طيّب ! لحظة واحدة فقط ! هيّا ، أنتم هناك ! أحضروا المونتيريين! والسلك أيضا ! سينتهي العمل فورا...
واحد، إثنين - أصلحوا العطل وتمّ الإتصال الهاتفي.
أما أنا فإكتسبت الزخم:
- تيابكين ؟ أنت يا نذل ! ليابكين ؟ خذوا هذا الوغد ! أعطوني القائمة ! ماذا ؟ لم تعّد بعد؟ بعد خمس دقائق يجب أن تكون قد أعدّت وإلا ستكونوا أنتم في قائمة الموتى! من هي ؟ كاتبة التسجيل ؟ زوجة مانيووف؟ لتعتبر نفسها مطرودة ! كاتبة الطابعة أولينكا بييتريتشيفا ؟ مطرودة أيضا ! سوباكيفتش ؟ خذوه ! هذا النذل ، موزوفييكين يعمل عندكم ؟ والمقامر الغشاش أوتيلييشيتييلني ؟ خذوه ومعه من شغله ! إمسكوا ! هذا أيضا ! والثالث ! فييتينيا ! أنت مطرودة ! الشاعر تريا بيتشكين وسيليفان وبييتروشكا الى شعبة التسجيل ! نوزدريوف الى قبو السجن... في هذه اللحظة ! في هذه الثانية ! من وقع على أوراق القضية ؟ أجلبوا هذا الوغد ! أجلبوه ولو من قعر البحر!
وهبط الرعب على الجحيم كله...
- يا له من شيطان ! من أين جاءوا به ؟
وكان ردّي على السؤال:
- أجلبوا تشيتشيكوف!
- همم... لايمكن العثور عليه. إ...إختفى...
- أها ، هكذا الحال؟ إختفى ؟ رائع ! ستذهبون محله الى السجن!
- الرحمة.....
- صمتا !
- لحظة ّ ثانية ! طيّب ، طيّب! الرجاء الإنتظار . إنهم يبحثون ...
وبعد لحظة قصيرة عثروا عليه!
لم يفده بشيء الركوع عند قدمي ، لم يفده بشيء تمزيق السترة ونتف شعر الرأس ، كذلك كان عبثا قسمه بأنه يعيل أما معوّقة.
- أمك ؟ - صحت بأعلى صوتي - أمك؟... وأين الملياردات ؟ وأين فلوس المجتمع؟ يا لص! إفتحوا بطن هذا النذل! ففيها قطع الماس !. وشقوا بطنه!. كان هناك الماس بالفعل!
- وهذا الماس ، أهو كله؟
- كله.
أربطوا حجرا حول عنقه وإرموه في الماء تحت الجليد!
وحلّ الهدوء الآن . والحشمة أيضا.
أتكلم أنا بالهاتف :
- كل شيء على ما يرام .
وأسمع الرد :
- شكرا . أيّ رجاء منك سيلبى.
كدت أقفز امام الهاتف ولكنني منعت النفس من البوح بكل شيء كان يعذبني منذ وقت بعيد:
- ( سروال ... رطل سكر..مصباح بقوة 25 واط ...)
ولكنني تذكرت بأنه ينبغي على الكاتب الذي يحترم نفسه أن يتصرف بدون مصلحة شخصية . سيطرت على النفس وتمتمت في سماعة الهاتف:
- لاشيء عدا مؤلفات غوغول بغلاف صلب . فقد بعتها قبل وقت قصير في السوق...
و...ب فيسرعة البرق!. هاهو غوغول المذهّب يلمع على طاولتي.
ولقد سررت للغاية بمرأى نيقولاي فاسيلييفتش الذي شدّ عزيمتي في ليالي الأرق الجهمة.
نعم ، كان سروري بالغا حتى أنني صحت بأعلى صوتي :
- هوررا !!!
و...
( الخاتمة )
.. بالطبع إستيقظت. وهنا لاشيء غير الفراغ : لاتشيتشيكوف ولا نوزدريوف ولا ، وهو الإهم، غوغول...
هيء ، هيء ، هيء - فكرت وبدأت أرتدي ملابسي ، ومن جديد بدأت الحياة تكشف أمامي سحرها العادي.
( عام 1922 )


* ولد بوهاكوف (1891- 1940 ) في كييف عاصمة أوكرانيا التي كانت جزءا من القيصرية الروسية ، وفيها قضى طفولته وأنهى دراسة الطب . وتشمل أعماله القصص والروايات والمسرحيات. وأول مؤلف له لقي الذيوع كان روايته ( الحرس الأبيض ) التي نشرت في عام 1925 بأجزاء في الصحف ولم تنشر في كتاب في أثناء حياة مؤلفها. وتناول فيها ، بأسلوب واقعي ، دوافع وسلوك مجموعات من الضباط المعادين للبلاشفة في أثناء الحرب الأهلية. وقد شنت السلطة هجوما عنيفا على الكاتب بسبب خلو الرواية من ... البطل الشيوعي . وفي العام نفسه كتب روايته القصيرة ( البيضة المشؤومة ) ، ونشرت بعد أن مرت من خلال غربال الرقابة الدقيق. وفي عام 1988 جاءت الطبعة الثانية لكن بدون رقابة هذه المرة. وفي عام 1926 نقل بوهاكوف رواية (الحرس الأبيض) الى المسرح تحت عنوان ( ايام عائلة توربين). و لقيت نجاحا ساحقا لكن سرعان ما منع عرضها. وفي عام 1925 كان بوهاكوف قد نشر رواية ( ألعاب شيطانية ) التي كانت نوعا من الفنتازيا الساخرة كرّسها لنقد المجتمع الشيوعي. ولقيت هذه الرواية مصير الأعمال السابقة أي الإدانة أو الحظر. وفي العام نفسه كتب بوهاكوف رواية ( قلب كلب )التي كانت سخرية قاسية من العلم بصيغته الرسمية الزائفة. وبفضل واقعيتها ومنحاها الساخر والفكاهي لقيت أعمال بوهاكوف الإقبال والشيوع البالغين. الا أن نقدها الحاد للذهنية التي فرضت على المجتمع وموقف كاتبها من الهياكل البيروقراطية المرائية قد دفع السلطة الى المزيد من التشدد أزاء بوهاكوف وغيره من الكتاب والفنانين الذين رفضوا السباحة مع التيار. وهكذا منع بوهاكوف من النشر في عام 1930 ، كذلك رفض ستالين طلبه في الهجرة. وطيلة فترة ذلك الحصار بطوقه الحديدي على الأدب كتب بوهاكوف قصصه وروايته الأكثر نضجا وقيمة فنية ومضمونية. ففي عام 1932 عندما كان يعمل مستشارا ل( مسرح موسكو الفني ) كتب لهذا المسرح دراماه المعروفة ( موليير ) والتي كرسها لوفاة الفنان الفرنسي. وبعد التصحيحات والتعديلات والتنقيحات قدمّها المسرح في عام 1936 لمدة أسبوع واحد فقط. فقد منعت بعد أن ( إكتشفت ) السلطة فيها هجوما مبّطنا على ستالين والحزب ... وفي الثلاثينات كتب بوهاكوف إثنين من أبرز أعماله. الأول لم ينهه ، وكان بعنوان ( رواية مسرحية ) الا أن العنوان الأصلي كان ( ملاحظات رجل ميت ). وإعتبرت الرواية نوعا من أدب السيرة كرّسه للسخرية ، وكانت قاسية حقا ، من ستانسلافسكي المنظر المسرحي المعروف. والعمل الثاني الذي صار مرادفا لأسم هذا الكاتب اللامع هو روايته ( الأستاذ ومرغريت) التي كتبها في عام 1930 وواصل السخرية فيها من البيروقراطية والزيف في المجتمع السوفييتي. وكانت واضحة النزعة الفلسفية في الرواية وتناول قضية الخير والشر. وتجري الأحداث في زمكانين: موسكو الثلاثينات والقدس في زمن بيلاطس. والشيطان هو الشخصية الرئيسية ، وكان قد حل بموسكو ( وهو حدث لا تتوقعه الماركسية - اللينينية تماما ) وقام بألعابه ( التطهيرية ) التي أبرزت وقائع الفساد والنفاق المستشريين في وسط النخبة الثقافية. وغريم الشيطان في الرواية هو ( الأستاذ ) ، وكان روائيا يريد كتابة قصة المسيح من جديد. ولم تنشر الرواية في الإتحاد السوفيتي الا في عام 1967. بعدها ظهرت ثانية لكن في صيغة شوّهتها الرقابة. ومن أعمال بوهاكوف الأخرى هناك مسرحيته ( أيام بوشكين الأخيرة ) من عام 1934 ، وعدد كبير من القصص التي كتبها في العشرينات خاصة. وقصة ( مغامرات تشيتشيكوف ) تعود الى ما يسمى بالفترة التجريبية التي مرّ بها بوهاكوف في عشرينات القرن الماضي. وهي شأن قصصه الأخرى تكشف عن مراقبته الحادة وتوثب قلمه وخفته المعروفة. ومايلاحظ ، عامة ، في أسلوب هذا الكاتب هو التعامل الخاطف ( ومن هنا التسمية الشائعة : الومضات البوهاكوفية ) مع شرائح معينة من العالمين الخارجي والداخلي. وعبر الإلتقاط المباشر للواقع الفعلي ( وليس الآخر المفترض الذي بشر به الأدب الرسمي وبكل تلك الخراقة والتكلف) يتكلم بوهاكوف ، بأبسط اللغات ، عن دراماه الداخلية التي عمقتها هشاشة العالم الخارجي وقسوته البيّنة في الوقت نفسه. ومن الواضح أن ثيمة الحماقة لم تكن ذلك الهامش الصغير بل المحرّك واللولب الرئيسي في كامل نثره تقريبا. كذلك كشفت قصصه من العشرينات عن سعيه العنيد في ( التكرس للحلم ) على حد تعبيره. وما قصده بالحلم هو أن يتصدع ذلك الواقع الجهم الذي لم تنقصه العناصر الكابوسية ، ويخرج منه واقع آخر يتجاوب مع أحلام ورؤى كل إنسان سوي، أي ذات الأحلام القديمة لدى غوغول والآخرين من عمالقة الأدب الروسي. وليس أمرا معيبا إذا قيل إن بوهاكوف كان يطمح في أن يسمّى غوغول القرن العشرين . المترجم

*

هوامش المترجم :

"1" الأرشين وحدة روسية لقياس الطول ، من حوالي 71 الى 81 سنتمترا.
"2" يختار بوهاكوف أسماءا لشخصياته لاتخلو من الإضحاك والترميز . ويقتفي هنا أثر دوستوييفسكي الذي كان مغرما بهذا الشيء. مثلا إسم بطل( الأبله) الأمير ميشكين يعني الفأر بالروسية ..
"3" وبيانكا إسم مبنى سلطات الأمن والسجن في موسكو.
"4" المقصود هنا مركز تدريب الخيل .
"5" هذه أسماء مراكز ومؤسسات ومنظمات كانت قائمة آنذاك . مثلا ( بروليتكولت ) هو مختصر إسم ( الثقافة البروليتارية ) أي تلك المنظمة الثقافية / الأدبية (1917 /1932 ) التي أعلنت ما يسمى ببرنامج ( الثقافة النقيّة) للبروليتاريا والتي تتبرأ من التقاليد. وكان أندري بوغدانوف منظرّها الرئيسي.



التاج الأحمر - قصة موربا -


ما أكرهه في العالم أكثر من غيره هو الشمس والأصوات البشرية العالية والطرق الثابت الذي غالباً ما يتردد بإلحاح. أنا أخاف من الناس لدرجة انني حين أسمع في الدهليز ، مساء، خطوات وأصوات غريبة أبدا بالصراخ . لذلك أعطوني غرفة رقم 27، وهي في نهاية الدهليز لكي لايأتي أيّ أحد. إنها غرفة خاصة بي هادئة يلفها السكون وهي الأحسن. لكن كي أشعر بأمان أكبر رجوت إيفان فاسيليفتش( حتى أنني بكيت ) من أجل أن يعطيني شهادة مكتوبة على الآلة الطابعة. وافق وكتب بأنني محاط برعايته ، ولا يحق لأي أحد أن يأخذني. والحق أنني لم أصدق كثيرا بمفعول إمضائه. كذلك أقنع هوالبروفسورعلى الإمضاء. كما طبع على الشهادة ختما مزوّرا. طبيعي أن هذا شيء آخر. فأنا أعرف الكثير من الحوادث حين بقي الناس على قيد الحياة لسبب واحد لاغير ، وهو أنه عثر في جيوبهم على أوراق ممهورة بالختم المدوّر. صحيح أن ذلك العامل الملوّث خده بالسخام والذي شنقوه على مصباح الطريق عثروا في حذائه على ورقة مدعوكة تحمل ختما. لكن هذه مسألة أخرى. كان مجرما بلشفيا ، وذلك الختم الأزرق اللون كان ختما إجراميا. وهو من قاده الى ذلك المصباح ، والمصباح صار السبب في مرضي ( الرجاء عدم الإعتراض ، فأنا أعرف جيدا بأنني مريض ).
في الأساس حدث لي شيء ما وقبل ما لقيه كولا "1" . إنصرفت لكي لا أرى الشنق ، ومعي إنصرف خوف ساقين مرتجفتين . آنذاك لم أستطع أن أفعل أي شيء البتة ، أما الآن فأنا قادر على القول بجرأة:
- سيدي الجنرال ، أنت وحش . غير مسموح لك أن تشنق الناس .
هذا يدل على أنني لست جبانا ، وهكذا قدّمت رجاءي بشأن الختم . ليس بسبب الخوف من الموت. فانا لا أخافه . أنا أطلق النار على نفسي وبنفسي. سيحدث هذا قريبا . كولا سيكون سبب ضياعي. لكن سأطلق بنفسي النار كيلا أرى كولا ولا أسمعه . وفكرة أنه قد يظهر أناس ما آخرون هو شيء شنيع.
أستلقي أياما بكاملها على الكوشة وأنظر الى النافذة . فوق حديقتنا العامة الخضراء يرتفع فراغ هوائي مفلوق بكتلة صفراء ذات ستة طوابق. الكتلة تتوجه صوبي بجدار أعمى محروم من النوافذ ، وتحت السطح ذاته يبدو على الجدار مربع صديء. كان لافتة عيادة طبّ الأسنان. حروف بيض . في البدء لم أطق هذه اللافتة. بعد ذلك أخذت أعتاد عليها ولو أنهم إقتلعوها من الجدار لأصابني الملل بدونها. فهي تهذي طوال اليوم وتجذب إنتباهي وتسمح لي بالتفكير في الكثير من الأمور المهمة. هكذا هي الحال إلى غاية قدوم المساء حين يظام السطح وتنمحي الحروف البيض في الظلام وتصبح رمادية. سوية مع أفكاري أختفي أنا في مهاوي الغروب. الغروب ساعة فظيعة ومهمة من ساعات اليوم. شيء ينطفيء ويمضي الى داخله. في الممر يتمخطر قطّ أحمر الشعر بخطواته الحريرية ، وفي بعض الأحيان أكون مرغما على الصراخ. الا أنني لا أسمح بإشعال الضوء. فإذا شعّ المصباح أكون قد بكيت طوال المساء وأنقدت الى اليأس . من الأحسن الإنتظار بكل مذلة ، اللحظة التي تضاء في العتمة الشديدة الصورة الأهم.


خاطبتني الأم العجوز قائلة :
- أنا لا أقدر على الحياة لأمد أطول. أرى بأنه جنون. أنت الأكبر سنا وأعرف أنك تحبه. عد إليّ بكولا. جيء به. أنت الأكبر سنا.
لزمت الصمت.
وضعت حينها في كلماتها الألم كله والرغبة أيضا.
- فتش عنه. أنت تتظاهر بأن المسألة لابد أن تكون بهذه الصورة. لكنني أعرفك . أنت عاقل وتعرف منذ أمد طويل بأن هذا هو جنون. أجلبه ولو ليوم واحد. واحد فقط. وبعدها إتركه لحاله.
لقد كذبت . فهل كان بمقدورها أن تتركه ؟
أنا لزمت الصمت.
- أريد تقبيل عينيه فقط. في كل الأحوال سيقتلونه. أسفا عليه. أليس كذلك ؟ إنه طفلي . وإلى من عليّ التوّجه بالرجاء ؟ أنت الأكبر سنا. إجلبه.
لم أحتمل واطرقت رأسي وقلت :
طيّب.
لكنها مسكت كمّي وأدارتني لكي تستطيع النظر في وجهي:
- لا . أقسم لي بأنك ستأتي به حيّا.
كيف يمكن إداء مثل هذا القسم؟ وأنا المجنون قلت:
- أقسم.
عندي أم صغيرة النفس . رحلت وهذه الفكرة كانت في رأسي. لكن في الطريق رأيت مصباحا معوّجا في بييرديانسكو. سيدي الجنرال أنا موافق على أنني كنت مجرما ولكن ليس أصغر منك، وأنني أتحمل مسؤولية رهيبة عن ذلك الإنسان الملطخ بالسخام لكن أخي لاعلاقة له البتة بهذا كله. عمر أخي تسع عشرة سنة.
وعندما غادرت بييرديانسكو وفيت بالقسم ، فقد عثرت عليه على مبعدة عشرين فييرستا " 2 "، في قرية صغيرة تنتشر فيها روائح الحريق. و قدمت جماعة من الخيّالة غارقة بسحابة من الغبار الأبيض. مع الثلاثة الأوائل من الجهة اليمنى كان هو. قبعته حجبت عينيه. أنا أتذكر كل شيء: المهماز الأيمن تحرك من مكانه ووصل الى كعب الحذاء. حزام القبعة حزّ الخدّ وشدّ الحنك.
ناديت : كولا ، كولا! وركضت صوب خندق الطريق.
- آ.. الأخ - صرخ مجيبا . ليس معلوما لماذا. فهو لم ينادني أبدا بأسمي. كان يقول دائما: يا أخي . أنا أكبره بعشر سنوات وكان يسمع كلامي بإهتمام دائما. - إنتظر. أبق بقرب هذه الغابة الصغيرة. سنصل إليها الآن. أنا لا أقدرعلى ترك السرية.
وبعدها دخنا السجائر بنهم في طرف الغابة ، بالقرب من سرية الخيّالة الذين كانوا قد نزلوا من على خيلهم. كنت هادئا وصلبا. إن كل هذا كان جنونا. كانت الأم على حق..
قلت هامسا:
- حين تعودون من القرية أنت تذهب معي الى المدينة . فورا والى الأبد.
- ماذا تقول يا أخي !
- إصمت. أنا اعرف ما أقوله.
السرية ركبت خيلها. وتمايل الفرسان على سروجهم متوجهين صوب عقد الدخان الأسود. وفي البعيد إنداح الصوت الرتيب لحوافر الخيل.
معلوم انه خلال ساعة واحدة لن يحدث شيء ، فهم سيعودون. وقفت قرب الخيمة بصليبها الأحمر اللون. وأخذت أنتظر.

رأيته بعد ساعة. عاد هو ايضا راكبا حصانه. لم تكن هناك السرية بل راكبان فقط يحمل كل منهما حربة. الراكب من الجهة اليمنى كان ينحني بإستمرار الى جهة الأخ كما لو أنه يهمس بأذنه. راقبت هذه المهزلة وأنا أرمش بعيني إتقاءا لضوء الشمس. لقد مضى ، وعلى رأسه قبعة رمادية وعاد بأخرى حمراء. النهار إنقضى وبانت هيئته المظلمة في اللباس الملون للرأس. إنه بلا شعر وجبين. بدل الإثنين كان هناك إكليل أحمر ذو اشواك صفراء مبعثرة.
أخي ، ذلك الراكب بتاجه الأحمر الممزق كان بلاحراك على حصانه الذي غطى الزبد شدقيه ، ولو لم يوقفوه من الجهة اليمنى لكان الأمر يبدو كأنه يشارك في إستعراض.
برز الراكب بخيلاء من فوق سرجه لكن كان أعمى وأخرس. مكان العينين اللتين كانتا عينين قبل ساعة واحدة كانت هناك بقعتان يسيل منهما الدم...
وذاك الذي كان من الجهة اليسرى نزل من على حصانه ومسك الزمام بيد وجرّ كولا من يده بالثانية. تمايل كولا.
وصوت ما قال :
- سيّدنا المتطوع ... أصابته شظية . ياممرض إستدع الدكتور.
الثاني تنهد وقال مجيبا :
- يا اخي ، أيّ دكتور ... ربما القسيس.
حينها إزداد الظلام حلكة لدرجة أنه إلتهم التاج الأحمر.
أنا إعتدت على كل شيء . على مبنانا الأبيض ، على الغروب ، على القط الأحمر الشعر الذي يحك جلده بالباب. لكن لا أقدر على الإعتياد على زياراته. في المرة الأولى خرج من الحائط في الأسفل حيث الغرفة رقم 63. كان في تاج أحمر. لم يكن في هذا أي شيء مرهب. في هذه الهيئة كان يظهر في أحلامي. الا أنني أعرف جيدا بأنه ميت طالما يحمل هذا التاج. لقد نطق. حرّك شفتيه الملطختين بالدم المتخثر. إنفرجتا ووقف في حالة إستعداد ثم وضع كفه على التاج وقال:
- يا أخي ، لا استطيع أن اترك سرية الخيالة.
منذها يحصل الشيء نفسه. يأتي مرتديا قميص الميدان وحاملا سيفا معقوفا وعلى قدميه مهمازان لايحدثان صوتا ولكي يقول الكلام نفسه دائما. يؤدي التحية العسكرية ، وبعدها :
يا أخي ، لا استطيع أن أترك سرية الخيالة.
أي فعل كان إرتكبه حين جاء إليّ في المرة الأولي! أفزع العيادة كلها. ومنذ ذلك الوقت تبدلت حياتي وأخذت بالهمود. أنا أفكر بصورة منطقية : طالما رحل الى العالم الآخر وإذا كان الميت يأتي ويتحدث فهذا يعني بأنني لست بالإنسان الطبيعي.

نعم . ها هو الغروب. وقت مهم لوضع الحساب . لكن للمرة الأولى غفوت ورأيت في الحلم صالونا صغيرا فيه أثاث قديم مغطى بقماش أحمر لامع. كانت هناك كوشة مريحة لكن في إحدى أرجلها شروخ. صورة معلقة على الجدار في إطارأسود علاه الغبار. زهور تقف على قواعدها. بيانو مفتوح عليه نوتات ( فاوست ) "3". في الباب وقف هو، وقلبي غمرته فرحة عارمة. لم يكن من الخيالة ، كان كما كان قبلها بكثير، وقبل أن يقدم هذا الزمن الملعون. هو في فراك كوعه ملطخ بالطباشير. في عينيه الحيتين إبتسامه لعوب ، وخصلة من الشعر متساقطة على الجبين. قال مشيرا بحركة من رأسه :
- يا أخي ، تعال الى غرفتي. لو كنت تعرف ما سوف أريك هناك ...
صفاء العينين أضاء الصالون ، وشعرت بأن ثقل ذنبي يتلاشى في العدم. لم يكن هناك أبدا ذلك اليوم الذي أرسلته فيه قائلا: ( إذهب ) ، منذرا بالشؤم. لم يكن هناك طرق ولا رائحة حريق. لم يذهب الى أي مكان ولم يخدم في الخيالة. كان يعزف على البيانو الذي كانت أصابعه البيض تطلق الأصوات وتشيع الصفاء . وكانت تسمع ضحكة بشرية حيّة.

إستيقظت بعدها. لم يكن هناك أي شيء. لاسطوع الضوء ولا العينان. لم يجيء إليّ أبدا مثل هذا الحلم . لكن في الليلة نفسها جاء لكي يزيد من عذابي. كان يخطو بدون ضجة ، مرتديا زيّ الخيّالة ، وقال ما قرر أن يقوله لي الى الأبد.
أردت أن أضع حدا لهذا. قلت:
- ماذا تريد يا مضطهدي الأبدي؟. لماذا تأتي ؟ أنا اعترف بكل شيء . وأنا أتحمل الذنب. أنا من أرسلك الى الموت . ووزر ذلك الإعدام ليكن وزري أيضا. إغفر لي وأتركني لحالي.
لم يردّ عليّ ومضى يا سيدي الجنرال.
حينها ملآني العذاب بالقسوة. وأردت بكل ما أملكه من إرادة أن يظهر ولو لمرة واحدة أمامك واضعا يده على التاج. أنا واثق من أن هذا سيقضي عليك كما قضى عليّ . فورا. وفي الأخير من يعلم ، فأنت يا سيدي قد لاتقضي ساعات الليل وحيدا؟ . ومن يعلم ألا يأتي إليك ذلك الملطخ بالسخام ، ذلك من مصباح الطريق في بييرديانسكو ؟. وإذا حصل هذا الشيء فنحن الإثنان نتعذب بصورة عادلة . لقد أرسلت كولا لكي يعاونك في عملية الشنق ، ولكنك يا سيدي أنت من قمت بذلك وبقرار شفاهي لم يحمل رقما نظاميا.
إذن لم يرحل. حينها أردت أن أخيفه بالصراخ. هاجمت الكل. جاءت الممرضة راكضة وأيقظوا إيفان فاسيليفتش. لم أرد أن أبدأ يوم عمل تال ، إلا أنهم لم يسمحوا لي بأن أقتل نفسي. أخرجوا الزجاج ولفوا الضماد. ومنذها أنا موجود في غرفة رقم 27. عندما أعطوني الحبوب نمت وسمعت الممرضة تقول في الممر :
- حالة ميؤوس منها.

إنها الحقيقة بعينها . لا أمل هناك ، عند الغروب ، الى ذلك الحلم - الى الغرفة القديمة المعروفة ، والضوء الهاديء لتلك العينين الصافيتين. لاشيء من هذا القبيل ولن يكون أبدا.
لا أزال أنوء بالحمل، وفي كل ليلة أنتظر، بمذلة ن قدوم ذلك الخيّال بحفرتي عينيه الفارغتين وليقول لي بصوت أبح:
- يا أخي ، لا أستطيع أن أترك سرية الخيّالة.
نعم . لا أمل هناك . إنه من يقضي عليّ.

عام 1922


هوامش المترجم :

"1" كولا هو تصغير إسم نيقولاي .
"2" فييرستا وحدة روسية لقياس الطول تعادل أكثر من 1066 مترا.
"3" يصعب معرفة أيّ نوتات كانت المقصودة. فهناك الكثير من الأعمال الموسيقية المكرسة ل( فاوست ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصتان قصيرتان لميخائيل بوهاكوف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
El Koom El Taweel :: القسم الادبي-
انتقل الى: